ابن الأثير

493

الكامل في التاريخ

579 ثم دخلت سنة تسع وسبعين وخمسمائة ذكر ملك صلاح الدين آمد وتسليمها إلى صاحب الحصن قد ذكرنا نزول صلاح الدين بحرزم ، تحت ماردين ، فلم ير لطمعه وجها ، وسار عنها إلى آمد ، على طريق البارعيّة ، وكان نور الدين محمّد بن قرا أرسلان يطالبه في كلّ وقت بقصدها وأخذها وتسليمها إليه ، على ما استقرّت القاعدة بينهما ، فوصل إلى آمد سابع عشر ذي الحجّة من سنة ثمان وسبعين ونازلها ، وأقام يحاصرها . وكان المتولّي لأمرها والحاكم فيها بهاء الدين بن نيسان ، وكان صاحبها ليس له من الأمر شيء مع ابن نيسان ، فلمّا نازلها صلاح الدين أساء ابن نيسان التدبير ، ولم يعط النّاس من الذخائر شيئا ، ولا فرّق فيهم دينارا ولا قوتا ، وقال لأهل البلد : قاتلوا عن نفوسكم . فقال له بعض أصحابه : ليس العدوّ بكافر حتى يقاتلوا عن نفوسهم . فلم يفعل شيئا . وقاتلهم صلاح الدين ، ونصب المجانيق ، وزحف إليها ، وهي الغاية في الحصانة والمنعة ، بها وبسورها يضرب المثل ، وابن نيسان على حاله من الشحّ بالمال ، وتصرّفه تصرّف من ولّت سعادته وأدبرت دولته ، فلمّا رأى النّاس ذلك منه تهاونوا بالقتال ، وجنحوا إلى السلامة . وكانت أيّام ابن نيسان قد طالت ، وثقلت على أهل البلد لسوء صنيعهم وملكتهم وتضييقهم عليهم في مكاسبهم ، فالنّاس كارهون لها ، محبّون لانقراضها .